أزمة الكهرباء تقوض رهان فيتنام على منافسة الصين -- Sep 29 , 2026 24
تعتمد جهود العالم لتقليص اعتماده على قطاع التصنيع الصيني العملاق بدرجة كبيرة على دولة واحدة هي فيتنام. غير أن قدرة البلاد على الاضطلاع بهذا الدور قد تتوقف على مصير مجموعة من مزارع طاقة الرياح المتوقفة عن العمل. ومع القفزة الحادة في تكاليف الطاقة، تحذر الحكومة من احتمال انقطاع الكهرباء اعتباراً من العام المقبل، ما يجعل حل الأزمة ضرورة تأخرت كثيراً.
ربما أصبحت فيتنام ضحية نجاحها. فمنذ الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، استفادت، أكثر من أي دولة أخرى تقريباً، من الرسوم الجمركية وسياسات تنويع سلاسل التوريد الهادفة إلى تقليص هيمنة الصين التجارية. ويُعد قطاع التصنيع فيها من الأسرع نمواً عالمياً، بينما توازي صادراتها تقريباً إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، في وقت نما فيه الاقتصاد بنسبة 8% العام الماضي.
غير أن الحفاظ على زخم هذه الآلة الصناعية يحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء، وهنا تبدأ المعضلة. فالطلب على الشبكة يرتفع بنحو 10% سنوياً، في حين تباطأ نمو الإمدادات بعد طفرة غير منضبطة في الطاقة المتجددة تزامنت تقريباً مع جائحة كوفيد-19. وفاقمت حرب إيران الأزمة، إذ لم يعد الغاز الطبيعي المسال، الذي كان يُنظر إليه يوماً باعتباره ركيزة مستقبل شبكة الكهرباء في فيتنام، خياراً موثوقاً وميسور التكلفة كما كان يُروج له. وحتى الفحم عاد إلى دائرة الخيارات المطروحة لسد النقص المزمن في الكهرباء.
طالع المزيد: فيتنام تزيد واردات الغاز الأميركي مع تعطل إمدادات الشرق الأوسط
مع ذلك، ليس هناك سوى حل واحد يتناسب مع حجم المشكلة، وهو ما تجنبته فيتنام طويلاً: إنهاء خلافات التسعير مع شركة الكهرباء المملوكة للدولة "إي في إن" (EVN)، التي أبقت مشروعات للطاقة النظيفة بقدرات تبلغ عدة غيغاواطات خارج الخدمة طوال معظم السنوات الخمس الماضية.
نزاعات التسعير تعطل مشروعات الطاقة
يبدو الأمر لافتاً في بلد أدت فيه انقطاعات الكهرباء عام 2023 إلى توقف المصانع واقتطاع 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، تمتلك فيتنام عدداً كبيراً من مشروعات الطاقة المتجددة المتعثرة رغم اكتمال معظمها. وتبرز مزرعتا رياح وسط مزارع الشاي والبن في منطقة المرتفعات الوسطى مثالاً على ذلك؛ إذ كان مقرراً استكمالهما عام 2021، قبل أن تظلا لسنوات عالقتين في الإجراءات التنظيمية، إلى أن حصلتا على التراخيص في يناير وبدأتا التشغيل أخيراً.
المشكلة لا تقتصر على هاتين المزرعتين. فقاعدة بيانات "إي في إن" تضم 85 مشروعاً لطاقة الرياح والطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تبلغ 4.7 غيغاواط، تعثرت بسبب مشكلات مماثلة، بينما لا تتجاوز القدرات التي دخلت الخدمة 1.6 غيغاواط. ونظرياً، تكفي القدرات المتبقية لتلبية احتياجات ملايين المنازل. ورغم أن بعض المشروعات لم يكتمل بعد، فإن ما لا يقل عن 0.5 غيغاواط اجتاز الاختبارات ويبدو جاهزاً للربط بالشبكة.
حرب إيران تدفع فيتنام وروسيا لتوقيع اتفاق نووي لتعزيز أمن الطاقة
ولا تتحمل "إي في إن" وحدها مسؤولية هذا التراكم. فقد حولت الإيرادات المضمونة والسخية طفرة الطاقة المتجددة في فيتنام بين عامي 2019 و2021 إلى ما يشبه حمى الذهب بكل المقاييس. وتسابق المطورون لاقتناص العقود، متجاوزين بعض الإجراءات ومؤجلين حسم مسائل التصاريح وحقوق استخدام الأراضي والربط بالشبكة إلى وقت لاحق. أما نزاعات التسعير الممتدة منذ ذلك الحين، فتمثل محاولة من شركة الكهرباء لترتيب الفوضى التي خلفتها تلك الطفرة، دون دفع أسعار مرتفعة مقابل كهرباء بات من الممكن شراؤها بتكلفة أقل.
هانوي تحتاج 136 مليار دولار لتوسيع شبكة الكهرباء
لكن هذه المساومات تبدو، في ظل الطلب المتزايد على الكهرباء في فيتنام، محاولة لتوفير مبالغ محدودة مقابل كلفة أكبر بكثير. فسعي الحكومة إلى إعادة صياغة العقود المبرمة مع منتجي الكهرباء أضر بصورة البلاد أمام رأس المال الخاص، ورسّخ الانطباع بأنها سوق محفوفة بالمخاطر.
وتسعى هانوي إلى مضاعفة حجم شبكتها الكهربائية بنحو ثلاثة أمثال خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ما يتطلب تمويلاً قدره 136 مليار دولار، يتجاوز بكثير قدرة الدولة على تحمله بمفردها.
وتظل الطاقة المتجددة المصدر الوحيد القادر على التوسع بالسرعة المطلوبة، لكن تجربة شراكة الانتقال العادل للطاقة في فيتنام (JETP)، وهي إطار لتحول قطاع الطاقة برعاية الأمم المتحدة، تكشف حجم اعتماد هذه المشروعات على رأس المال الخاص. فبعد أربع سنوات، لم يحصل سوى 3 مشروعات من أصل 50 مشروعاً مخططاً لها على استثمارات، بما يعادل نحو 7% فقط من التمويل المطلوب البالغ 11 مليار دولار.
في المقابل، بإمكان "إي في إن" تبني نهجاً سخياً بعدما نجحت الآن في محو خسائرها المتراكمة عقب سنوات عصيبة. وقد يكون دفع علاوة سعرية أعلى بنحو 10% مقابل غيغاواط من المشروعات القديمة ثمناً مقبولاً، إذا ساعدت استعادة ثقة المستثمرين على خفض تكلفة تمويل نحو 150 غيغاواط إضافية تريد هانوي تركيبها بحلول 2030، ولو ببضع نقاط أساس.
ومن ثم، تبدو تسوية سريعة، حتى إن لم تكن مثالية، تتيح ربط المشروعات الأكثر جدوى بالشبكة دون منح امتيازات للمخالفين الصريحين للقواعد، أفضل بكثير من استمرار حالة الجمود الراهنة.
نقص الكهرباء يهدد مكاسب فيتنام من التحول بعيداً عن الصين
لكن ذلك لا يعني أن تظهر فيتنام بمظهر الطرف سهل الانقياد أمام المطورين، بل ينبغي أن تقوم مشروعات الجيل المقبل على قاعدة واضحة: تلتزم هانوي بالعقود بعد ضخ المستثمرين أموالهم، ويلتزم المطورون بدورهم بالمواعيد النهائية ومتطلبات التصاريح دون اعتبارها مجالاً للتفاوض.
وفي وقت تسعى الحكومة إلى استكمال اتفاق تجاري مع إدارة ترمب، تبدو فيتنام مؤهلة لأن تكون من أبرز المستفيدين من توجه العالم لتقليص اعتماده على الصين. لكن عجزها عن توفير الكهرباء اللازمة لتشغيل خطوط الإنتاج قد يدفع الشركات متعددة الجنسيات إلى تفضيل دول أخرى، أو حتى العودة إلى الصين نفسها.
كذلك، أثبتت طفرة الطاقة المتجددة الأولى في فيتنام، رغم الفوضى التي رافقتها، أن البلاد قادرة على زيادة توليد الكهرباء بوتيرة سريعة. لكن ما أعقبها من تعثر طويل أظهر أن تكرار هذا التوسع يتطلب إعادة جذب رأس المال الخاص.
المصدر:
بلومبرغ